عفيفة*

الحياة ، لا شيء من بعد رحيلك ، سأخبرك بحياتنا من بعدك ، لا طعم لها ولا لون ، نبكي كل يوم ، نجوع و مع ذلك مترفين ، بؤساء ، حتى المرآة إن مررنا بها ناظرين تتكسر ، لا حياة لا صباح لا مساء ، لا أناشيد و لا تراتيل ، حتى الآذان لم أعد أسمعه ، أجراس الكنيسة في القرية لم تطرق ، ماذا حلّ بنا وبالحياة ، حتى النرجس فقد بريقهُ ، الرؤية بدأت الشمس تفقدها ، أراها تضمحل ، تختفي ، تزول ، هل هذه أوهامٌ أخرى من العقل الباطن أم أنه واقع .

و بينما التاريخ يعلن انشقاقه ، أتى نورٌ غريب ينبعُ من كل حدبٍ و صوب ، من كل وادٍ و جبلٍ ..

اسمع الآن صراخ البشرية و منهم من جنِّ و منهم من يقاوم الجنون ، وأنا بجانب النافذة أحدق بكل برود كأنني أعلم بأن هذه المهزلة ستحصل ، أحدق في مرآتي أرى الشيب و قد أشتعل ، وعيني و كيف تكاد تختفي بين ألاف التجاعيد ، مهلاً هنالك صرخة وليدةٌ في داخلي أكلت كل أطفالي من أعماقي و من أعماق جوفي و رحمي ، أكاد أجنّ ، و ما يزيد ألمي أولئك الجن الشياطين القرناء ، الذين يلتهمون الأجنة من رحمي ، كيف يدخلون أولئك الوحوش عديمو الرحمة ، و هذا ليس تساؤل أبديه للمرة الأولى لقد أبديته من قدم القدماء الأموات ، ألم تروا الشيب الأبيض الذي يتخلله السواد ،لطالما زمجر القوم في وجهي يا عفيفة أذهبي فالقوم منكِ بريئة ، حزينة أنا , فأنا عفيفة الشريفة ، فلاحة بسيطة ، لا أؤمن بغير الموت و الكنيسة ، جلست تحت شجرة الزيتون ، أراقب الحمام والطيور ، و أسمع همسهن .. همس النساء و كيدهن ، خفت على أجنحتي من الإنكسار فحملت نفسي على البقاء في داري خلف أبوابي بعيدةً كل البعد عن أحلامي ، …

أحلامي بسيطة جداً ، لم انظر لم وراء المزرعة قط ولا كنيستي ولا مسجد أبي ، لم أكن و أكن ، أعلن إنسحابي و موتي و نهايتي ، أنتظر الفصل في حكمي ، أنتظر الحرمان و القطيعة من جسدي ، إني أراقب النوافذ شوقاَ لخروج روحي ، أهمس للوسائد أستعدي و أودع أوراقي و أحلامي و أقول …

: روح عفيفة إلى السماء .. أذهبي روحاً طاهرةً لها أقرناء

أذهبي أحاطك الرب بالورد والياسمين والخمر الفردوّسي ..

أذهبي أثابك الله على صبرك وألمك أثابك الله على صبرك .. و تحملك لأهلك وشعبك وبني قومك ..

يا ربّ أغفر لها ، يالله أنزل بهم أشد العذاب لم فعلوا بها .

يقاطع دعوات الأحرار بعض الأئمة قائلين :

ما حدث لها غضبٌ من الله عليها .

فيرد آخرٌ : و ما دليلك يا شيّخ ؟

يرد الشيخ بكل ثقةٍ هوجاء :

نصفها مسيحي و نصفها مسلم أنا متأكد بأن ما حدث لها سببه ُ ضعف الوازع الديني ؟

يقاطعه أحمق آخر :

جائز يا شيّخنا !

و تترامى الكلمات  و الحقيقة مجهولة ؟ نعجز عن إيجاد الحقيقة  ونحن ؟؟ لا أعلم ..

الحجّ محمد البقال صارخاً في أهل الحي .., غداً جنازة عفيفة و لا نملك المال لدفنها أو لشراء تابوت لها أرجو من أهل الحي أن يتكرموا ويتبرعوا ببعض المال ، فتمتد الأيادي الكريمة تتفضل بالمبلغ الفلاني ، يجمع محمد البقال المبلغ و يشتري تابوتاَ قديماً عفناً ، و ليكملوا معاً المسيرة هادئين ، مهلاً لحظة هل أنا هنا اصف الموقف ؟ بالتأكيد لا .. إذن لماذا أتكلم ؟! حتى أشعر بالمعاناة ؟ ولماذا ترغبين بالشعور بالمعاناة ؟ مهلاً أهذا استجواب أم ماذا ؟ لا مجرد تحليل منطقي !!!

منطقي ؟ لا منطق لدينا ولن يكون !! لست سوداوية لكني واقعية ، ليس لدينا حل غير الإستغفار و التوبة لله لعله يتوب مسلم .. مسيحي .. يهودي .. ملحد .. كن ما تريد .. إن أردت العيش حرّ  ستعيش حر .. إن أردت أن يكبلوك بالحديد سيفعلون .. لا تجعل الحرية أهون الأمور لديك ، أي دين في الكون يرفض القيد ويطالب بكسره ولكن ، على اللسان مالا يقول القلب .

المغزى .. إلى رحمة الله ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s